مجمع البحوث الاسلامية

331

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ملتبسا بجهالة حقيقة ، بأن يفعله وهو لا يعلم ما يترتّب عليه من المضرّة والعقوبة ، أو حكما بأن يفعله عالما بسوء عاقبته ، فإنّ من عمل ما يؤدّي إلى الضّرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظانّ ، فهو في حكم الجاهل . فهو حال مؤكّدة ، لأنّها مقرّرة لمضمون قوله : مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً لأنّ عمل السّوء لا ينفكّ عن الجهالة حقيقة أو حكما . قال أهل الإشارة : يشير بقوله : ( منكم ) إلى أنّ عامل السّوء صنفان : صنف منكم أيّها المؤمنون المهتدون ، وصنف من غيركم وهم الكفّار الضّالّون . والجهالة جهالتان : جهالة الضّلالة : وهي نتيجة إخطاء النّور المرشّش في عالم الأرواح ، وجهالة الجهوليّة : وهي الّتي جبل الإنسان عليها ، فمن عمل من الكفّار سوء بجهالة الضّلالة فلا توبة له ، بخلاف من عمل سوء من المؤمنين بجهالة الجهوليّة المركوزة فيه فإنّ له توبة . ( 3 : 39 ) الطّباطبائيّ : إنّ المراد بالجهالة : ما يقابل الجحود والعناد اللّذين هما من التّعمّد المقابل للجهالة ، فإنّ من يدعو ربّه بالغداة والعشيّ يريد وجهه وهو مؤمن بآيات اللّه ، لا يعصيه استكبارا واستعلاء عليه ، بل لجهالة غشيته باتّباع هوى في شهوة أو غضب . ( 7 : 105 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ الجهالة في مثل هذه المواضع تعني طغيان الشّهوة وسيطرتها ، والإنسان - بحسب هذه الأهواء المستفجلة ، لا بسبب عدائه للّه وللحقّ - يفقد المقدرة العقليّة والسّيطرة على الشّهوات ، مثل هذا الشّخص - وإن كان عالما بالذّنب والحرمة - يسمّى جاهلا ، لأنّ علمه مستتر وراء حجب الأهواء والشّهوات ، وهذا الشّخص مسؤول عن ذنوبه ، ولكنّه يسعى لإصلاح نفسه وجبران أخطائه ، لأنّ أفعاله لم تكن عن روح عداء وخصام . ( 4 : 287 ) 3 - ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . النّحل : 119 الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ المقصود بيان أنّ الافتراء على اللّه ومخالفة أمر اللّه لا يمنعهم من التّوبة وحصول المغفرة والرّحمة ، ولفظ ( السّوء ) يتناول كلّ مالا ينبغي وهو الكفر والمعاصي ، وكلّ من عمل السّوء فإنّما يفعله بالجهالة . أمّا الكفر فلأنّ أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا ، فإنّه ما لم يعتقد كون ذلك المذهب حقّا وصدقا ، فإنّه لا يختاره ولا يرتضيه . وأمّا المعصية فما لم تصر الشّهوة غالبة للعقل والعلم ، لم تصدر عنه تلك المعصية ، فثبت أنّ كلّ من عمل السّوء فإنّما يقدم عليه بسبب الجهالة . ( 20 : 133 ) نحوه الشّربينيّ ( 2 : 268 ) ، وطه الدّرّة ( 7 : 541 ) أبو حيّان : قال العسكريّ : ليس المعنى أنّه يغفر لمن يعمل السّوء بجهالة ولا يغفر لمن عمله بغير جهالة ، بل المراد : أنّ جميع من تاب فهذا سبيله ، وإنّما خصّ من يعمل السّوء بجهالة ، لأنّ أكثر من يأتي الذّنوب يأتيها بقلّة فكر في عاقبة ، أو عند غلبة شهوة ، أو في جهالة شباب ، فذكر الأكثر على عادة العرب في مثل ذلك ، والإشارة بذلك إلى عمل السّوء . ( 5 : 546 ) الطّباطبائيّ : الجهالة والجهل واحد ، وهو في